6- هامنوب
فرد أبونا (بيشوى) قائلاً :
علي الرغم من تعب وإرهاق اليوم بأكمله في هذا اليوم المزدحم العصيب ، إلا إنه جاء في فكري بل وفى قلبى أيضاً إنه لابد من معرفة المعني العميق للنذر بالفقر الاختياري .
فحينما أتيت إلي الدير علمت أننا ننذر البتولية والطاعة والفقر الاختياري ، وبدأت أسال الله في داخلى أن يرشدنى للمعنى العميق لكل من هذه المبادئ ، وعلى رأسهم في الوقت الراهن الفقر الاختيارى...
فموقف والد الطفل المريض هذا قد يكون من الطبيعي جداً حدوثه بل وتكراره أيضاً، ولكن وجود بعض من تفاصيله في عدم قدرته على شراء بعض من المستلزمات البسيطة-في أيام الألفينيات التي نحياها الآن- يظل موقفاً أضع أمامه علامات استفهام كثيرة في معنى الفقر الاختياري بالنسبة لى!!!
+++
نطقت بهذه الكلمات بكل نشوة، وأنا أقُبل يد أبى الموقر (أنُسيمُس) أثناء فتحه باب قلايته لى وهو يقول :
فرددت بكل لهفة :
ربت أبونا (أنُسيمُس) على كتفى وهو يحثنى للدخول إلى مضيفة القلاية ، وأسرع يقدم لى مشروباً بكل محبة أبوية ، وأنا أحاول جاهداً ألا أُتعب هذا الشيخ الذى قارب على العقد السابع من عمره في ضيافتى.
ثم دار بيننا حوار قصير كله محبة وارتياح، رأيت أثنائه بعض من الإشاعات و الروشتات الطبية التي حصل عليها ، وبدأت بأسلوب مُبسط أشرح له معنى وفائدة كل إشعة أو تحليل أو دواء قائلاً:
وأكملت عبارتى وأنا ابتسم قائلاً:
فرد الأب (أنُسيمُس) بكل وقار و تواضع :
أخذتنى حمرة الخجل وأطبقت شفتايا وأن أنحنى و أقبل يديه قائلاً :
وفى تلك الأثناء تذكرت موقف والد الطفل المريض، فأنتابني شعور عارم بالجدية وقلت في لهجة تحمل الأهمية :
فرد بايماءه من رأسه بلطف قائلاً :
فبدأت بتركيز ممزوج بلهفة ، أشرح لأبونا (أنُسيمُس) ما حدث معى بالضبط صباحاً ، وأننى استشعرت السجس مما قد يتواجد في قلايتى ، والذى قد يتعارض مع مبدأ الفقر الاختيارى الذى نذرته منذ أن دخلت الدير .
بدت علامات الأهمية والتركيز تتشكل على وجه أبي (أنُسيمُس)منذ تفوهت بأول كلمة، وفى نهاية كلامى قلت :
وبعد أن أنتهيت من حديثي ، صمت الأب (أنُسيمُس) لوهلة ثم قال :
عاماً قضيتها في الرهبنة بهذا السؤال ...
ثم استطرد قائلاً :
بدت ملامح الاستعجاب والدهشة تملأ وجهى فقلت :
فأزال دهشتى قائلاً:
المصدر الذى سمعته أنا منذ أكثر من أربعين عاماً ..... ستسمع الإجابة من مصدرها الأصلى .....
من أبى الروحى .....
أتسعت حدقتا عيناي ، ولم أستطع إخفاء علامات الذهول من كلمة (أبيه الروحى).... وسألت نفسي... إذ كان الأب (أنُسيمُس) قد قارب أو تعدى السبعين عاماً ، فكم يكون عمر أبيه الروحى ؟!!! وإن كان أبونا (أنُسيمُس) شيخاً ، فإن أبيه الروحى سيكون شيخ شيوخ البرية ....
تذكرت كم من مرة حكى عنه، وعن احتضانه له منذ أن كان في المراحل الدراسية الأولى ... فقد كان أبى (أنُسيمُس) يزوره كثيراً في مغارته يلتمس بركته وإرشاده فكيف يكون والد أبى ؟
سمعت هذا السؤال من أبونا (أنُسيمُس)، وهو يربت على كتفى ،ففيما يبدو أننى سرحت قليلاً من كثرة ذهولى ، فرددت على الفور قائلاً :
واستطردت قائلاً:
✍ صفحة مقالات أبونا ويصا الأنبا بيشوي
يتبع الأسبوع القادم الفصل الثالث
+++
فرد أبونا (بيشوى) قائلاً :
لن أنسى في حياتى صورة هذا الملاك الذى رأته عيناى، فبالفعل رأيت ملاكاً لا إنساناً، كان مستدير الوجه ،واسع العينين، شعر ذقنه طويلاً وأبيضاً كالثلج، هادئ الملامح، ذو ابتسامة طفولية ،وعلى الرغم من إنحناء ظهره لطول قامته وكبر عمره، واستناده على عصا في يديه إلا أن مظهره هذا يمنحه وقاراً وروحانية خاصة يصعب
جلست في السيارة مع عم (مرزوق) وأنا أرفع قلبى إلى الله أن يعطينى نعمة في عيني أبونا (بيشوى) ويوافق على مقابلتى ، فانتظرت وأنا أرمق أبونا (أنُسيمُس) وهو يتحرك نحو باب المغارة في أرض غير ممهدة طولها ما يزيد عن خمسين متراً من طريق السيارة حتى باب المغارة .