6- هامنوب
فرد أبونا (بيشوى) قائلاً :
نطق أبى (أنُسيمُس) بهذه التحية لعم (مرزوق) أحد سائقي سيارات الدير، الذى أعتبر عدد سنوات خدمته للدير أضعاف سنواتى الخمس في الرهبنة ، فلذا دائماً ما أمذح معه قائلاً :
فرد عم (مرزوق) قائلاً :
تهللت أساريري وأنا أقول بدلاً من أبونا (أنُسيمُس):
فرد عم (مرزوق) قائلاً :
+++
تحركنا أنا وأبي (أنُسيمُس) في سيارة يقودها عم (مرزوق) في تمام الساعة الثانية مساءاً ، متوجهين إلى مغارة أبونا (بيشوى) - والد أبي - والذى تبعد مغارته من الدير حوالى عشرين كيلو متراً ، ما يستغرق في هذا الطريق الوعر أكثر من ساعة.
وقبل خروجى من الدير ذهبت للاستئذان من شيخنا الوقور (سيدنا) رئيس الدير ، الذى فرح كثيراً لهذه المقابلة ، ووافق على الفور بل وحملنى أمانة ، أن أقدم له خالص السلامات والتحية ، لأننى قد علمت أن سيدنا و أبونا (بيشوى) ترهبا معاً في نفس الدير ، وبنفس يد رئيس الدير أنذاك . بفارق بعض من السنوات القليلة التي يكبرها أبونا (بيشوى) عن (سيدنا) رئيس الدير .
وكان شغف (سيدنا) رئيس الدير بشخصية أبونا (بيشوى) ، أحد أهم العوامل التي أثرت فيّ وجعلت الاشتياق يذداد داخلى لرؤيته .
وفى أثناء الطريق بدأ يحكى لى أبونا (أنُسيمُس) عن ذكريات معرفته بأبونا (بيشوى) فقال :
أتسعت عيني من الدهشة ليس لأننى أسمع سنين عمره هذه ، وإنما باقى التفاصيل التي سردها لى أبونا (أنُسيمُس) ، والتي لا أقوى شخصياً - على الرغم من صغر سنى - على أحتمالها ... فهو يجلس في مغارة في الجبل بدون مياه أو كهرباء ، ولا يخدمه أحد لا أب راهب ولا أخ ، وإنما يقوم بكل احتياجاته الشخصية بنفسه حتى هذه اللحظة ...
فسألت أبونا (أنُسيمُس) قائلاً :
التوحد داخل المغارة ؟؟؟ لماذا لا يأخذ قلاية بين الأباء ، مع كبر عمره واحتمالية أصابته بأى مكروه !!!
فرد أبونا (أنُسيمُس) قائلاً :
ثم بدأ يسرد تفاصيل أخرى كثيرة لى وأثناء سماعها بدأت أقول لنفسي باقتناع تام :
ثم أستطرد أبونا (أنُسيمُس) بسرد تفاصيل أخرى عامة عن تحديد قرار الرهبنة وأن يعتزل الإنسان العالم ، و يحيا في الدير .....
... فكل هذه الذكريات جعلتنى بيني وبين نفسي أتذكر قصة خروجى من العالم ...
والتى لا أستطيع نسيانها ، مهما مرَّ الزمان ...
+++
منذ حوالى أكثر من خمسة عشر عاماً جاءتنى فكرة الرهبنة، والتي كانت تتردد على قلبى وذهنى منذ فترة أطول من ذلك ، ولكننى كنت أطرد هذا الفكر بعيداً و أقول لنفسي بلهجة كلها جدية :
و استطرد في فكرى قائلاً :
وبهذه الكلمات و الحوار يكون الجواب في كل مرة على فكرى الحائر عن مدى إمكانية اختيار حياة الرهبنة ، وقد يكون السبب في أن فكرى أصبح أكثر واقعية أو تحليلاً بهذه الطريقة ، هو كثرة تواجدى داخل الخدمة ، وبالأخص خدمة الشباب والتي ما كانت دائماً تخاطب العقل والواقع بالأكثر.
ومن ناحية أخرى نجحت ذكريات أبونا (أنُسيمُس) التي رواها منذ قليل ، أن تذكرنى بموقف حدث معى والذى كان له عظيم الأثر في تشجيعى لإتخاذ هذه الحياة الملائكية....
أتذكر أن ذلك الموقف حدث بإحدى المحاضرات العملية داخل كلية الطب وبالتحديد في السنة الخامسة، في أحد (سكاشن) مادة جراحة المخ والأعصاب.
ففى وقتها كانت أحدى زميلات (السكشن) مسئولة عن تقديم حالة مرضية . وبكل صراحة كان من المعروف أن دكتور هذا (السكشن) والمشرف على هذه الحالة ، من الأطباء ذوى الأسلوب الجاف والصعب ، فكل من يُقدم أمامه أي حالة ، يتعرض للإحراج وبالأخص أن المناقشة كانت أمام أفراد (السكشن) بأكمله .
وفى هذا اليوم كنت جالساً في آخر صف من صفوف الطلاب الذين يقربون من الأربعين طالباً، ووجدنا الدكتور النائب يقوم بإدخال الحالة (المريض) قبل دخول الدكتور الاستشارى بحوالي خمس عشر دقيقة، ووضع الحالة بجوار السبورة ووجهها مقابل لنا ، كما لو تكن الحالة هي الدكتور .
وكانت الحــــــالة عبـــــــارة عن شـــــاب صغير عمره قد يكون أو يذيد قليلاً عن خمس عشرة سنة، نحيل الوجه ، واسع العينين ،مستقيم الفم مدبب الذقن ، يمنحه نحوله مظهراً يفوق سنوات عمره ، جالساً على كرسي متحرك ، وعلى رأسه ضمادات كبيرة الحجم تدل على إنه قام بعمل عملية جراحية كبيرة في الجمجمة منذ أقل من أسبوع ، وعدم تحرك أطرافه لدقائق معدودة قد يدل على وجود شلل ثنائى أو رباعى....
ولكن مارأيته يتحرك فيه وبكل طلاقة، نظراته الزائغة والتي ترمق كل واحد منا في (السكشن) بشكل متتابع.
وبكل صراحة وواقعية تواجد أي حالة حجز في الأقسام المجانية داخل أي مستشفى جامعى، تدل على التدهور الصحى لهذه الحالة، بل أيضاً تدهورها المادى الذى لا يمنحها فرصة العلاج على النفقة الشخصية في أي مستشفى خاصة، أو في القسم الاقتصادى بالمستشفى الجامعى.
المهم أن الدكتور المشرف دخل (السكشن) وهو يضع سيجارته المعتاده في فمه ، وأبتدأ يدور بنظراته الحادة أرجاء الغرفة ، وهو يسمع ملخصاً سريعاً من الدكتور النائب عن الحالة المتواجدة داخل (السكشن)، الذى بدوره خرج وترك الدكتورة زميلتنا أمام مصيرها المحتوم في المناقشة التي نتوقع جميعنا أنها ستكون مناقشة حادة .
وما مرت دقائق معدودة إلا وبدأت زميلتنا تقرأ أمام الدكتور من بعض أوراق بصوت وأصابع مرتجفة، وعلمنــــــــا أن تشــــــــخيـص الحـالة هـــــــو (Neurofibroma) وهى حالة نادرة لها أعراض كثيرة و خطيرة قد نجمل تفاصيلها في أن نقول أنها ورم عصبي قد يكون حميداً أو خبيثاً (بنسبة عشرون بالمائة) ، وشاء الله أن يحمل هذا الشاب الصليب كاملاً ، ويأخذ هذا المرض بأسوء أعراضه ،ويصبح لديه شللاً رباعياً وتبولاً لاإرادياً وضعف في العضلات ....و يأخذ أيضاً أقل نسبة نجاح في العملية بل وفى الحياة أيضاً .
بدأت المناقشة وفى أثناءها حدث المتوقع ، بأن الدكتور المشرف سأل زميلتنا سؤالاً صعباً، وبدأ يستهزأ بعدم قدرتها الحصول على التاريخ المرضى للحالة بصورة جيدة ، وبعدها وفى تفصيل جوهرى قال لها الدكتور وهو يتثائب ويفرك جفنيه المنتفخين بحدة ونبرة عالية:
ترقرقت عيناي زميلتنا وهى تحاول جاهدة إلا تتساقط دموعها أمام (السكشن) قائلة :
وبدأت زميلتنا تسأل المريض سؤالاً معيناً عن عرض شائع في هذه الحالة . والغريب أنها كررت السؤال أكثر من مرة ، وفى كل مرة لا يرد عليها المريض ، ولا يلتفت إليها أثناء حديثها ..
فثارت زميلتنا وقالت بغضب عارم يعتريه الكسوف:
وزادت أيضاً حدة الدكتور المشرف من عدم إجابة المريض على السؤال و إهماله لهما، فقام بخبط كتف المريض لينظر إليهما، حيث أنه لم يلتفت لهما أثناء طلبهما له بالتحدث، ومن مفاجأة الخبطة دار المريض برأسه وما أن رأى وجهيهما العارميّن بالغضب حتى تساقطت دموعه كينبوع ماء،ولم يستطع بسبب حالته و شلله الرباعى مسحها من وجنتيه ، حتى صاح الدكتور الاستشارى منادياً الدكتور النائب بكل عصبية قائلاً :
فقال الدكتور النائب بسرعة :
فرد الدكتور الاستشاري بعصبية ،أثناء محاولات فاشلة من زميلتنا لتهدئة الشاب :
لم يعد لديّ تركيز لبقية الحوار لأن هذا الخبر وقع علىّ كالصاعقة .....
وأنتابني شعور عارم بالضيق ، وقلت في نفســي بــحـــزن وأن أرمـــق بنــظــــرات ثابتــــــــة وجــه هذا الشاب المسكين ودموعه تملأ وجهه:
أكملت (السكشن) وأنا جالساً معهم ، ولكننى لست معهم ، أخذت قلمى و بدأت أسطر صفحات أنُاجى بها الله ، وبكل صراحة تمنيت من الله ألاّ يعطى هذا الشاب المسكين القدرة على الفهم أو التركيز لإدراك ما حوله ، ولكن للأسف الشىء الوحيد الذى مازال يعمل لديه هو إدراكه ...
نعم .... إدراكه بحاله الآليم...
وأحسست في هذا الوقت بالأكثر شعور سليمان الحكيم عندما قال: " الكل باطل وقبض الريح ،ولا منفعة تحت الشمس" ( جا 2 : 11) .. وأن الله يحثنى بالأكثر للخروج ورائه في البرية، وأن استثمر كل عطاياه لى لأجل مجد اسمه القدوس .
وأكتملت الرؤية لديّ بعد أيام ، عندما جاءنى صوت من الله ، واخترتنى العناية الإلهية لنوال نعمة الكهنوت في أحدى الإيبارشيات ...
وكانت هذه الرسالة هي الأخرى من أقوى الردود على فكرى في عدم استحقاق إرتداء الأسكيم الصغير الذى للرهبنة، فشعرت كما لو أن الله يوجه بصرى بنعمة الكهنوت ويقول لى بحنيته المعروفة :
+++
" حمداً لله على السلامة يا أبائي "
بتر عم (مرزوق) زكرياتى الصامتة بهذه الجملة ، التي بدأ قلبى ينبض بعدها سريعاً استعداداً لرؤية أبونا (بيشوى) ....
فمثل هذا الكم من المعلومات والاحترام الذى أراه واسمعه من الكبير قبل الصغير عنه، يجعل قشعريرة ما تسرى في وجدانى بأكمله وتسيطر على أفكارى.
وقطع أيضاً أبونا (أنُسيمُس) توترى وهو يقول:
ثم ألتف ناحيتي قائلاً بنبرة تنم عن الأهمية:
ثم استطرد في كلامه بنفس نبرة الأهمية قائلاً :
فقط .... صلى ....
فجلست أراقب أبونا (أنُسيمُس) وهو يتحرك وقلبي يُناجى الله...
نحو المغارة ....
نحو الهدف ....
يتبع الأسبوع القادم الفصل الرابع
✍ صفحة مقالات أبونا ويصا الأنبا بيشوي
فرد أبونا (بيشوى) قائلاً :
لن أنسى في حياتى صورة هذا الملاك الذى رأته عيناى، فبالفعل رأيت ملاكاً لا إنساناً، كان مستدير الوجه ،واسع العينين، شعر ذقنه طويلاً وأبيضاً كالثلج، هادئ الملامح، ذو ابتسامة طفولية ،وعلى الرغم من إنحناء ظهره لطول قامته وكبر عمره، واستناده على عصا في يديه إلا أن مظهره هذا يمنحه وقاراً وروحانية خاصة يصعب
جلست في السيارة مع عم (مرزوق) وأنا أرفع قلبى إلى الله أن يعطينى نعمة في عيني أبونا (بيشوى) ويوافق على مقابلتى ، فانتظرت وأنا أرمق أبونا (أنُسيمُس) وهو يتحرك نحو باب المغارة في أرض غير ممهدة طولها ما يزيد عن خمسين متراً من طريق السيارة حتى باب المغارة .